ابن عجيبة
452
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فيها مولاها . وقال الشيخ أبو العباس المرسى رضى اللّه عنه : الحق الذي خلق اللّه به كل شئ كلمة « كن » . قال سبحانه : وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ « 1 » . ه . وهو بعيد هنا . يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ « 2 » فإنهم المنتفعون بالنظر فيها والاعتبار بها . ثم بيّن وجه الاعتبار فقال : إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي : تعاقبهما بالذهاب والمجيء ، أو بالزيادة والنقصان ، وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من أنواع الكائنات وضروب المخلوقات ، لَآياتٍ دالة على وجود الصانع ووحدته ، وكمال علمه وقدرته ، لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ اللّه ، ويخشون العواقب ، فإن ذلك يحملهم على التفكر والتدبر ، بخلاف المنهمكين في الغفلة والمعاصي ، الذين أشار إليهم بقوله : إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا أي : لا يتوقعونه ، أو : لا يخافون بأسه لإنكارهم البعث ، وذهولهم بالمحسوسات عما وراءها ، وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا : قنعوا بها بدلا من الآخرة لغفلتهم عنها ، وَاطْمَأَنُّوا بِها أي : سكنوا إليها مقصرين هممهم على لذائذها وزخارفها ، وسكنوا فيها سكون من يظن أنه لا ينزعج عنها . وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا المتقدمة الدالة على كمال قدرتنا ، غافِلُونَ : لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون ؛ لانهماكهم في الغفلة والذنوب . قال البيضاوي : والعطف إما لتغاير الوصفين ، والتنبيه على أن الوعيد على الجمع بين الذهول عن الآيات رأسا ، والانهماك في الشهوات ، بحيث لا تخطر الآخرة ببالهم أصلا ، وإما لتغاير الفريقين ، والمراد بالأولين : من أنكر البعث ولم يرد إلّا الحياة الدنيا ، وبالآخرين من ألهاه حب العاجل عن التأمل في الآجل والإعداد له . ه . أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي : بما واظبوا عليه وتمرنوا به من المعاصي . قال ابن عطية : وفي هذه اللفظة رد على الجبرية ، ونص على تعلق العقاب بالتكسب . ه . الإشارة : هو الذي جعل شمس العيان مشرقة في قلوب أهل العرفان ، لا غروب لها مدى الأزمان ، وجعل قمر توحيد الدليل والبرهان نورا يهتدى به إلى طريق الوصول إلى العيان ، وقدّر السير به منازل - وهي مقامات اليقين ومنازل السائرين - ينزلون فيها مقاما إلى صريح المعرفة ، وهي التوبة والخوف ، والرجاء والورع ، والزهد والصبر ، والشكر والرضى والتسليم والمحبة ، والمراقبة والمشاهدة . ما خلق اللّه ذلك إلا بالحق ، ليتوصل به إلى الحق . إن في اختلاف ليل القبض ونهار البسط على قلب المريد لآيات دالة له على السير ، لقوم يتقون السّوى ، أو شواغل الحس .
--> ( 1 ) من الآية 73 من سورة الأنعام . ( 2 ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص ويعقوب بياء الغيب ( يفصل ) . والباقون بنون العظمة ( نفصل ) انظر الإتحاف ( 2 / 104 ) .